منظر «الجهاد» المصري: بلغ الاستهتار إلى حد أن وضع أحد قادة حماس نظرية اتخاذ الشعب دروعا بشرية
Table of Contents:
الدكتور فضل يتناول في «قميص غزة» أخطاء «الإخوان» التي أدت إلى كوارث
عندما كنت في باكستان قال لي أحد قدامى الإخوان المسلمين المصريين، وهو الأستاذ عبد العزيز علي (أبو أسامة)، وهو مدرب عسكري، قال لي عام 1986 (إن الإخوان أرسلوه لتدريب الإخوان السوريين في معسكراتهم بالعراق عام 1982، وإنه لما وصل هناك قابل عدنان سعد الدين وسعيد حوى وسألهما عن خطتهما بخصوص حماة ليضع برامج التدريب المناسبة لها، فأخبروه أن حماة قد سقطت في يد القوات السورية، فقال لهما: ولماذا إذن الاستمرار في التدريب، فقالوا له: إنهم لا يستطيعون مواجهة الشباب بحقيقة سقوط حماة). والأستاذ أبو أسامة من الذين تركوا مصر أيام عبد الناصر وعاش في الأردن ويحمل جواز سفرها.
وفي باكستان أيضاً عام 1989: حكى لي عن مأساة حماة الأخ أبو مُصعب السوري ـ وهو أحد ضحاياها ـ وقال لي (إنهم لما رأوا عدنان سعد الدين وسعيد حوى يعيشان في قصور صدام حسين الفاخرة، ويدفعان الشباب إلى المحرقة في حماة بالخطب الرنانة عبر الراديو ـ في معركة لا يدركون خطورتها ودَفَع ثمنها من وثقوا بهم من الشباب قتلى بالآلاف ـ وضعوا لأنفسهم مبدأ «إذا كنت إمامي فكُن أمامي»). هذا كلام أبي مُصعب، وعبارته هذه ذكرتها في «وثيقة ترشيد العمل الجهادي» لتكون سلاحًا في يد الشباب يرفعونه في وجه من يغامرون بهم. وأبو مُصعب الآن معتقل ظلمًا وعدوانًا في سجون أميركا السرية بعد اعتقاله في باكستان عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بالرغم من أنه كان من أشد المنكرين على مغامرات أسامة بن لادن، وليست له علاقة بتنظيم «القاعدة». وألّف أبو مُصعب كتابًا عن كارثة الإخوان في حماة بعنوان (التجربة السورية).
وبين مغامرة الإخوان في حماة (1982) ومغامرتهم في غزة (2008)، جاءت الكارثة العظمى على يد رجل الإخوان السعودي أسامة بن لادن في مغامرته الاستعراضية بضرب أميركا سبتمبر (أيلول) 2001، ثم هرب كما هرب عدنان سعد الدين وسعيد حوى وخالد مشعل والذين دخلوا تحت الأرض في غزة وتركوا الناس يدفعون ثمن مغامراتهم (قتلى وجرحى بالآلاف، ومشردون بمئات الآلاف وخراب واسع). وإذا كان إخوان سورية قد دمروا مدينة (حماة)، وإخوان حماس قد دمروا عدة مدن من (قطاع غزة) فإن صاحبهم ابن لادن قد دمّر دولتين: أفغانستان، التي تسبب في الاحتلال الأميركي لها مرتين، مرة بصفتها ملاذه الآمن الذي ضرب منه أميركا، والعراق: لأن ما فعله ابن لادن في 11/9 وقبله جعل بوش (رئيس أميركا) يضع مبدأ الحرب الوقائية الاستباقية والذي بمقتضاه قال (نقاتلهم في بلادهم قبل أن يقتلونا في بلادنا) وبهذا غزا العراق.
وحتى لا تزداد كارثة غزة بشاعة، ينبغي أن يقول أهلها لخالد مشعل ولإسماعيل هنية ـ كلمة أبي مُصعب السوري ـ (إذا كنت إمامي فكُن أمامي) وأخرجوا من ملاذاتكم الآمنة وتقدموا الصفوف في المعركة التي فرضتموها علينا.
قال قائد حماس في غزة: إسماعيل هنية «لن نستسلم حتى ولو أبادوا غزة» (الأهرام) 31 ديسمبر (كانون الأول) 2008 صـ4، فإذا كان قد بلغت به الاستهانة بشعبه إلى درجة استعداده للتضحية بكل شعب غزة ليبقى هو في السلطة، فماذا ترك لإسرائيل لتقوله وتفعله؟ إن كلمته هذه معناها أنه يقول لإسرائيل: أمامكم كل شعب غزة فاقتلوه. وكرر الكلمة نفسها ولكن بعبارة أخرى مُشعل النيران (خالد مشعل) من ملاذه الآمن في دمشق، فقال في 2 يناير (كانون الثاني) 2009 «إن قصف طيران إسرائيل لغزة طيلة الأسبوع لم يسبب إلا خسائر طفيفة في البنية العسكرية لحماس». فهل يقول هذا الكلام إنسان عاقل. إن معنى كلامه أنه يقول لإسرائيل: لن تضرونا إلا بمزيد من القصف لغزة، وهو نفس كلام هنية «أبيدوا غزة». أي إن مأساة حماة تتكرر. تسبب الإخوان المسلمون السوريون في قتل أهلهم في حماة بتحريض من نظام البعث العراقي، واليوم يتسبب الإخوان المسلمون الفلسطينيون (حماس) في قتل أهلهم في غزة بتحريض من نظام البعث السوري الذي قتل إخوانهم في حماة.
وكل هذه المغامرات على حساب الشعوب مصادمة لشريعة الإسلام، فعندما حاصر كفار مكة وحلفاؤهم المدينة في غزوة الأحزاب: تجهز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للدفاع عن المدينة بحفر الخندق حولها. ونهى عن استفزاز الكفار المحاصرين للمدينة حتى لا يقتحموها، وأرسل حذيفة بن اليمان ليندس وسطهم وقال له «ائتني بخبر القوم ولا تذعّرهم عليّ» فلما ذهب حذيفة إليهم قال «فرأيت أبا سفيان يَصلى ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «ولا تذعرهم عليّ»، لو رميته لأصبته». الحديث رواه مسلم (4658). وكان أبو سفيان هو قائد جيوش المشركين في تلك الغزوة، ومعنى (يَصلى) أي يدفئ، ومعنى (لا تذعّرهم) أي لا تهيّجهم ولا تستفزهم. وسعى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تفكيك جبهة العدو وتحالفه، فعرض على كفار غطفان أن يعطيهم بعض ثمار المدينة مقابل أن ينصرفوا، وأمر نعيم بن مسعود أن يخذّل عن المسلمين، كل هذا ليخفف الضغط عن المسلمين بالمدينة.
أما أفعال حماس فكانت بخلاف هذا كله، فاستفزوا إسرائيل بصواريخ الألعاب (القسام) بمجرد انتهاء هدنة التهدئة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2008، فأعطوا إسرائيل ذريعة الحرب، ولم يتقدموا الصفوف بل هربوا إلى الملاذات الآمنة، وليس لديهم أي دفاع جوي ولا عمق استراتيجي، فكانت كل أفعالهم من باب العناد والمغامرة على حساب شعب غزة المكشوف. ولا بد أن يؤدي ذلك إلى كارثة إخوانية في غزة، فعادة ما يتسبب الإخوان في الكوارث بسبب سوء تقدير الأمور والحسابات الخاطئة والاستهتار بالشعوب إلى أبعد مدى من أجل التمسك بالسلطة على حساب التضحية بالشعوب.
وبلغت المغامرة والاستهتار بالشعب إلى حد أن وضع أحد قادة حماس نظرية اتخاذ الشعب دروعًا بشرية (أي التترس بالشعب ضد قنابل العدو)، وذلك بالتخفي بين الناس، وبهذا المبدأ يتم قتل الناس في غزة اليوم، ومنهم واضع هذا المبدأ: وهو نزار ريان الذي قتلته إسرائيل بصاروخ على منزله هو و14 فردًا من عائلته في أول يناير (كانون الثاني) 2009. وهذا كله بخلاف سُنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي بلغ من حرصه على النساء والأطفال أن وضعهم في حصن بالمدينة في غزوة الأحزاب بعيدًا عن جيش المسلمين حتى لا يؤذيهم العدو.
وأنا في خواطري هذه اهتمامي الأول بالأمور الدينية لا السياسية، وذلك لتحذير الشباب المحب للإسلام والجهاد من مغامرات هؤلاء وأمثالهم التي لا صلة لها بدين الإسلام، وكما قلت من قبل: إنهم يجربون أفكارهم فيكم.
في الحروب لابد من مراعاة الحسابات المادية لا انتظار الكرامات، ولهذا فقد قال الله تعالى: «الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ...» (الأنفال66)، وفي غزوة بدر ظل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأل عن عدد أفراد جيش كفار مكة. ولهذا أيضاً فقد انحاز (انسحب) خالد بن الوليد بجيش المسلمين من معركة مؤتة لعدم التكافؤ بينه وبين جيش الروم، وأثنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه واعتبر ما فعله (فتحًا).
الشرق الأوسط




