منظر «الجهاد» المصري: بلغ الاستهتار إلى حد أن وضع أحد قادة حماس نظرية اتخاذ الشعب دروعا بشرية

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
الدكتور فضل يتناول في «قميص غزة» أخطاء «الإخوان» التي أدت إلى كوارث

أما المغامرات فلا تجلب إلا الكوارث، ولا يتحمل مسؤوليتها إلا من اتخذ قرارها، كما هو الحال في مغامرة حماة، ومغامرات ابن لادن، ومغامرة حسن نصر الله في لبنان 2006، واليوم مغامرة «حماس» الذين لا يعيرون الحسابات المادية أي اعتبار ـ وهذا مخالف لشريعة الإسلام ـ وفي مقال د.حسن أبو طالب قال «حين يقول قائد بحجم مشعل إن حساباته وحسابات منظمته تقوم على حسابات المزاج، وليس حسابات العقل والمنطق، فإننا نكون أمام نموذج سياسي لا يقيم للحقائق المادية أي اعتبار، وتعطي وزنًا للعوامل الانفعالية التي تقود حتمًا إلى مغامرات غير محسوبة وإلى نتائج كارثية بكل معنى الكلمة، وما يجري في غزة الآن خير دليل على النتائج التي لم تحسب جيدًا... يروح ضحيتها عادة الشعب الفلسطيني» (الأهرام) 31 ديسمبر (كانون الأول)2008 صـ10.
وكما فعل ابن لادن مع أميره الملا محمد عُمر في أفغانستان، فأشعل حربًا مع أميركا بغير إذنه، وتصرف ابن لادن كأنه دولة مستقلة داخل دولة أفغانستان، فأحرق أفغانستان وشعبها، فكذلك فعلت حماس التي تصرفت كدولة مستقلة عن دولة رئيسهم (أبو مازن) فأحرقوا غزة وشعبها، وهذه من السياسات الثابتة لدى الإخوان المسلمين، وهي التي سميتها (بالاستعلاء) من قبل، حتى أدّى بهم ذلك إلى الاستهتار بأرواح الشعوب لتحقيق مصالحهم الخاصة، ولا مانع لديهم من استغلال الكوارث التي يصنعونها لتحقيق مزيد من المكاسب لأنفسهم، ومن هذا الباب استغلال الإخوان لكارثة غزة الحالية في تحريك الجماهير بالشعارات والخطب الحماسية لاستعراض قوتهم في بعض البلدان بقميص غزة. في حين أن الإخوان مشاركون في حكومة الاحتلال الأميركي وبرلمانه في العراق وأفغانستان لمغازلة أميركا والتقرب منها، لأنهم يجيدون الأكل من كل الموائد والتلوّن بجميع الألوان.
كان ابن لادن يتوقع أن تؤدي مغامراته الدامية في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 إلى تحريك الجماهير للثورة، فلم تتحرك، فأمرهم بذلك بعد ثلاثة أعوام فقال «يا أمة الإسلام ثوري على الظلم والطغيان... السعي لحشد الأمة للخروج بمظاهرات شعبية وعصيان مدني حتى سقوط الحكومات الخائنة» من كلمته في قناة «الجزيرة» في 4 يناير (كانون الثاني) 2004 (دليل الحركات الإسلامية) صـ 229، طـ الأهرام 2006. فلم تتحرك الجماهير أيضاً وطال الحصار على ابن لادن وفقد كثيرًا من تنظيمه وملاذه الحصين في أفغانستان، فلم يجد ابن لادن إلا أن يلجأ إلى عدوه اللدود (أميركا) فطلب منها الهدنة مطلع عام 2006 فقال لها «ولا مانع لدينا من إجابتكم إلى هدنة طويلة الأمد بشروط عادلة... لينعم في هذه الهدنة الطرفان بالأمن والاستقرار». عاد ابن لادن إلى عدوه يطلب منه الهدنة لينعم بالأمن والاستقرار الذي حرم منه شعوبًا بأكملها ودمر بلادهم بمغامراته غير المحسوبة.
ومثله حسن نصر الله: قام بمغامرته في لبنان في يوليو (تموز) 2006، وتترس بشعب لبنان، ودمر لبنان وقتل شعبها وشرّد أهلها، وأراد أن تتحرك الجماهير والدول الأخرى لتدفع ثمن مغامرته. ثم قَبِل الهدنة مع إسرائيل وقبل بقوات دولية في جنوب لبنان تفصل بينه وبين إسرائيل. وبالرغم من تحقيقه لبعض النجاحات العسكرية في تلك الحرب أشرت إليها في كتابات سابقة لي، إلا أن نصر الله ندم على مغامرته في استفزاز إسرائيل بخطف بعض جنودها بسبب الخسائر الفادحة للبنان، وقال نصر الله «لو كنت أعرف ما سيحدث ما أقدمت على ما أقدمت عليه» أي إنه أقرّ على نفسه بسوء التقدير.
وكما طلب ابن لادن الهدنة، وكما قَبِلها حسن نصر الله، فسيكون هذا هو أيضاً مصير حماس ـ فيما أظنه ـ ولكن بعد خراب غزة.
الإخوان المسلمون لا ينشطون ولا ينتشرون إلا بتحالف ومهادنة لأهل السلطة، وهذا ما حدث لهم أيام حسن البنا، كما وصف ذلك الأستاذ أحمد حسين، وكما هو حالهم اليوم في بعض البلاد مثل مصر والأردن واليمن وغيرها. وفي غزة نفسها عاش الإخوان في مهادنة لمدة عشرين سنة مع جزار اليهود إريل شارون منذ احتلال إسرائيل لغزة عام 1967 وحتى إنشاء حماس في 1987. وفي هذه السنين العشرين كوّن الإخوان قواعدهم في غزة وانتشروا. فلا ينمو الإخوان إلا بمهادنة السلطة فإذا دخلوا في مغامرات معها جلبوا الكوارث على الناس كما سبقت الأمثلة على ذلك.
وقد كانت هذه بعض كوارث الإخوان على دنيا الناس، أما مصيبتهم الكبرى بمخالفاتهم للشريعة فشيء يطول شرحه وليس هذا موضعه. وفيهم أهل خير وصلاح، ولكن الخط العام للجماعة هو ما سبق. ولا يجوز الخلط بين دين الإسلام وما يفعله الإخوان.
وكثيرًا ما كانت كوارث الإخوان سببها اتباعهم لسياسة المراوغة «صديقك اليوم وعدوك غدًا»، وسياسة الاستعلاء (بعدم وضع أي اعتبار للآخرين، حتى للشعوب)، وسياسة الاستعلاء هي التي عبّر عنها أحدهم بكلمة (طُظ)، (وهدد في أحد أحاديثه الصحافية عام 2006 بضرب المعارضين للإخوان من الآن بالحذاء) (صحيفة «الشرق الأوسط») 19 ديسمبر (كانون الأول) 2008 ص9. وكيف لا، وهو يجلس على رأس إمبراطورية عالمية (التنظيم الدولي للإخوان المسلمين).
 
القاهرة: محمد مصطفى أبو شامة

الشرق الأوسط
No votes yet