منظر «الجهاد» المصري: بلغ الاستهتار إلى حد أن وضع أحد قادة حماس نظرية اتخاذ الشعب دروعا بشرية
Table of Contents:
بعد تناوله لأسلوب تعامل قادة حركة «حماس» مع العدوان الإسرائيلي على غزة وانتقاده الشديد لاستعداد الحركة للتضحية بشعب غزة في حرب غير متكافئة، يتحدث السيد إمام عبد العزيز شريف «الدكتور فضل» منظر تنظيم «الجهاد» المصري عن العلاقة بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين. ويتوقف الدكتور فضل في خاطرته السابعة من كتابه (قميص غزة) أمام حركة الإخوان المسلمين باعتبارها الحاضنة الأم لكل الحركات الإسلامية في العالم، ويرى أن الحركة كانت مصدر العديد من الكوارث والأزمات التي ألمّت بالشعوب العربية خلال القرن العشرين، منذ أن تأسست على يد مرشدها الأول حسن البنا عام 1928.
تحت عنوان «كوارث الإخوان المسلمين على المسلمين من حماة إلى حماس» يقول الكاتب: «لفهم ما يحدث في غزة اليوم يجب رد الفروع إلى أصولها، فحماس التي تحكم غزة اليوم ما هي إلا فرع من جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في مصر عام 1928م.
وبداية أقول: إنه لا توجد جماعة إسلامية من المعروفين في الدنيا اليوم قد وضعت قدمها بعدُ على بداية الطريق الصحيح لنصرة الإسلام وإعزازه، كلهم ـ ومنذ قرن من الزمان ـ يجربون أفكارهم في المسلمين ويعملون من أجل مصالح محدودة، فجلبوا الكوارث على المسلمين بسبب تقديم الرأي والهوى على الشرع، وقد قال الله تعالى: «فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (القصص50).
وكان من أكبر من جرّبوا أفكارهم في المسلمين وتعددت كوارثهم: جماعة الإخوان المسلمين، فسببوا الخراب للمسلمين في بلاد كثيرة، وذلك ابتداءً من مرشدهم الأول حسن البنا الذي عقد المؤتمر الرابع لجماعته عام 1936 لمبايعة الملك فاروق، وكتب إليه يقول (وإن لنا في جلالة الملك المسلم أملا). وعندما قال زعيم الوفد مصطفى النحاس (الشعب مع الوفد) قال البنا (الله مع الملك). وفي ظل هذه العلاقة الحسنة بين الإخوان والملك نمت الجماعة وانتشرت في كل ربوع مصر برعاية وتسهيلات حكومية، كان أفضل من وصف تفاصيلها هو الأستاذ أحمد حسين المحامي، في مرافعته عن عبد المجيد حسن (قاتل النقراشي باشا عام 1948)، وأحمد حسين هو زعيم حزب «مصر الفتـاة» وهو أخو عادل حسين ووالد مجدي أحمد حسين من رجال حزب العمل الموقوف. وبعد مبايعة الملك قال البنا لأتباعه في أحد مؤتمراتهم (عندما يبلغ عددكم اثنى عشر ألفاً أخبروني لأغزو بكم كل جبار عنيد). فظهر بذلك أن البنا كان يعتبر الملك مسلمًا بالكلام، وكان يعتبره كافرًا عمليًا. وخاض الإخوان أيام البنا في دماء كثيرة في مصر حتى قتلوا النقراشي باشا (وزير الداخلية)، وكان هذا هو السبب المباشر لاغتيال حسن البنا مطلع عام 1949. ولقد تعددت المخالفات الشرعية للبنا إلى الحد الذي جعل الشيخ عبد الرحمن الوكيل ـ رئيس جمعية أنصار السنّة ـ يرسل إليه رسالة مفتوحة عنوانها (يا بَنّا أقم وجهك للدين حنيفا). وفي الوقت الذي كان البنا يسعى فيه لإقامة نظام إسلامي في مصر، كان ضالعًا في دعم انقلاب عسكري ضد حكومة إسلامية شرعية في اليمن، وهو انقلاب عبد الله الوزير ضد الإمام يحيى حميد الدين عام 1948، وقُتل فيها الإمام يحيى ولكن الانقلاب فشل، ولم يلبث البنا بعدها إلا شهورًا قليلة حتى قُتل. قال الله تعالى: «وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلا» (الإسراء76). وهذا الكلام بعضه موجود في كتب حسن البنا مثل «مجموعة الرسائل» و«مذكرات الدعوة والداعية» وبعضه في الكتب المؤرخة للإخوان.
وبعد شهر عسل قصير مع جمال عبد الناصر بعد ثورة 1952، تعامل الإخوان مع جمال بطريقة استعلائية، ورسائل حسن الهضيبي (مرشدهم الثاني) لجمال تظهر أنه فرض وصايته عليه. فكانت معظم فترة حكم عبد الناصر فترة محن على الإخوان، الذين سببُ محنهم الكثيرة هو: اتباعهم سياسة المراوغة والاستعلاء على الآخرين.
وبسبب تضييق عبد الناصر عليهم في مصر، هرب الإخوان إلى بلاد كثيرة، خاصة في أوروبا والخليج، وحصلوا على جنسيات فيها بسبب خصومات حكام هذه الدول مع عبد الناصر، ورحب هؤلاء الحكام بالإخوان ومنحوهم تسهيلات، وجمعوا أموالا كثيرة، وأنشأوا التنظيم الدولي للإخوان الذي يسيطر على كثير من منظمات الإغاثة والجامعات الإسلامية في أماكن كثيرة. حتى قال لي أحد إخوان الرياض في عام 1984 (إنه بالرغم من سفرياته الكثيرة في العالم لم ينزل في فندق أبدًا، وإنما في أحد المراكز الإسلامية التي يشرف عليها الإخوان). وفي عام 1996 قال أحد إخوان جدة (إن التنظيم الدولي للإخوان إمبراطورية عالمية أغنى من بعض الدول).
ولعل أقرب الكوارث الإخوانية على المسلمين مشابَهةً لما يحدث اليوم في غزة، هو ما فعله إخوان سورية أيام رئيسها السابق حافظ الأسد في مدينة حماة، التي تجمعوا فيها وسيطروا عليها وأعلنوا التمرد على الدولة عام 1982 وذبحوا طلاب مدرسة المدفعية ونفذوا حركة إعدامات بالمدينة ثم تترسوا بالشعب، وكان لهؤلاء الإخوان قادة يديرون هذا التمرد من العراق وهم: عدنان سعد الدين وسعيد حوى، وكانوا يقيمون عند صدام حسين: العدو اللدود لحافظ الأسد، وكانت لهم إذاعة بالعراق موجهة لسورية يقومون من خلالها بالتحريض على التمرد، كما كانت لهم معسكرات تدريب بالعراق لتدريب الشباب السوري والدفع بهم للقتال في حماة السورية. وهذا يشبه ما يحدث اليوم في غزة: إخوان الداخل (حماس) أشعلوا النار في غزة، وإخوان الخارج (خالد مشعل في دمشق) ينفخ في النار. وكما انتهت مغامرة حماة بكارثة بشعة، ففي غزة كارثة بشعة من بدايتها. ولكن حماة اعتبرها الناس شأنًا سورياً داخليًا فلم يشتهر أمرها إلا لدى الخاصة، أما غزة فمسألة دولية كأمها فلسطين (أم القضايا).
فكيف انتهت مأساة حماة الإخوانية؟، حاصرتها القوات السورية بالدبابات فتحولت إلى سجن كبير، ثم قصفتها بالطيران، فقتل فيها عشرون ألف إنسان ـ على أقل تقدير ـ تحولوا إلى أشلاء ودماء في أيام قليلة. وهو نفس ما يحدث الآن في مغامرة غزة: حاصرتها إسرائيل بالدبابات وقصفتها بالطيران.
كان تمرد الإخوان في حماة حلقة في الصراع بين جناحي حزب البعث (العراقي بزعامة صدام حسين ضد الجناح السوري بزعامة حافظ الأسد)، فسقط عشرون ألف قتيل سوري بدعم من صدام حسين. فما هي أهم مبادئ حزب البعث؟ إن شعارهم: «آمنت بالبعث ربًا لا شريك له.. وبالعروبة ديناً ما له ثان».




